قلت: لعل الآية حكت معنى ما عبر عنه اليهود لموسى بلفظ هو فِي لغتهم محتمل للوجهين فحكى بما يرادفه من العربية تنبيهاً على قلة اهتمامهم بانتقاء الألفاظ النزيهة فِي مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم كما كانوا يقولون للنبيء صلى الله عليه وسلم {راعنا} ، فنهينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] وهم لقلة جدارتهم بفهم الشرائع قد توهموا أن فِي الأمر بذبح بقرة دون بيان صفاتها تقصيراً كأنهم ظنوا الأمر بالذبح كالأمر بالشراء فجعلوا يستوصفونها بجميع الصفات واستكملوا موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض الناس فِي الكسب للبقر ظناً منهم أن فِي علم النبيء بهذه الأغراض الدنيوية كمالاً فيه، فلذا مدحوه بعد البيان بقولهم {الآن جئت بالحق} كما يقول الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال: الآن أصبت الجواب، ولعلهم كانوا لا يفرقون بين الوصف الطردي وغيره فِي التشريع، فليحذر المسلمون أن يقعوا فِي فهم الدين على شيء مما وقع فيه أولئك وذموا لأجله. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 538}
[فائدة]
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وههنا بحث: وهو أن النحويين ذكروا"لكاد"تفسيرين.
الأول: قالوا: إن نفيه إثبات وإثباته نفي.
فقولنا: كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا: ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله.