قال - رحمه الله:
{وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} الظاهر أنه داخل فِي تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى: {اهبطوا} الخ مع استحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم فِي التيه من غير كدّ وتعب حيث سألوا ب {لَن نَّصْبِرَ} فإنه يدل على كراهيتهم إياه إذ الصبر حبس النفس فِي المضيق، ولذا أنكر عليه بقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} الخ، فالآية فِي الأسلوب مثل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى موسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} [البقرة: 55] الخ، حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا، ثم أفاض عليهم نعمة الحياة، قال مولانا الساليكوتي: ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازي لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم، لأن الإجابة إلى المعصية معصية وهي غير جائزة على الأنبياء وإن قوله تعالى: {كُلُواْ واشربوا} [البقرة: 0 6] أمر إباحة لا إيجاب، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية، ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين (المنّ والسلوى) اللذين رزقوهما فِي التيه، إما باعتبار كونه على نهج واحد كما يقال: طعام مائدة الأمير واحد ولو كان ألواناً شتى بمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب الأوقات، أو باعتبار كونه ضرباً واحداً لأن المنّ والسلوى من طعام أهل التلذذ والسرف، وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه، وقيل: إنهم كانوا يطبخونهما معاً فيصير طعاماً واحداً، والقول بأن هذا القول كان قبل نزول السلوى نازل من القول، وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى لأن المنّ كان شراباً، أو شيئاً يتحلون به، فلم يعدوه طعاماً آخر، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنين كما عبر بالاثنين عن الواحد فِي نحو {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرَحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب