وعندي أن الحق هو المذهب الثاني وهو أن نفيها فِي معنى الإثبات وذلك لأنهم لما وجدوها فِي حالة الإثبات مفيدة معنى النفي جعلوا نفيها بالعكس كما فعلوا فِي لو ولولا ويشهد لذلك مواضع استعمال نفيها فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة النفي لا نفي المقاربة ولعل ذلك من قبيل القلب المطرد فيكون قولهم ما كاد يفعل ولم يكد يفعل بمعنى كاد ما يفعل، ولا يبعد أن يكون هذا الاستعمال من بقايا لغة قديمة من العربية تجعل حرف النفي الذي حقه التأخير مقدماً ولعل هذا الذي أشار إليه المعري بقوله: جرت فِي لساني جرهم وثمود ويشهد لكون ذلك هو المراد تغيير ذي الرمة بيته وهو من أهل اللسان وأصحاب الذوق، فإنه وإن كان من عصر المولدين إلا أنه لانقطاعه إلى سكنى باديته كان فِي مرتبة شعراء العرب حتى عد فيمن يحتج بشعره، وما كان مثله ليغير شعره بعد التفكر لو كان لصحته وجه فما اعتذر به عنه ابن مالك فِي شرح التسهيل ضعيف.
وأما دعوى المجاز فيه فيضعفها اطراد هذا الاستعمال حتى فِي آية {لم يكد يراها} فإن الواقف فِي الظلام إذا مد يده يراها بعناء وقال تأبط شراً"فأُبت إلى فهم وما كدت آيباً"وقال تعالى: {ولا يكاد يبين} [الزخرف: 52] .
وإنما قال: {وما كادوا يفعلون ولم يقل يذبحون كراهية إعادة اللفظ تفنناً فِي البيان. انتهى انتهى. التحرير والتنوير حـ 1 صـ 538 - 542}
فصل
قال الفخر:
ههنا أبحاث:
البحث الأول: روي أنه كان فِي بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. (1)
(1) فِي هذا الخبر إبطال للحكمة فِي ذبح البقرة وضرب القتيل ببعضها ليظهر القاتل، لأن فِي الأربعين سنة تكون الجثة قد أتلفت وتغيرت وتلاشت والقوم قد فنى منهم ناس، وهذا إضعاف لمعجزة موسى إذ الشأن فِي المعجزة أن تظهر ثمرتها عن قرب. وإلا فإن كثيراً من حوادث القتل المشابهة لهذه المسألة تقع الآن فِي مصر ويكشف القناع عنها فِي الأيام اليسيرة، بل فِي الساعات.