فوضع الله تعالى العبادات، وفرض عليهم تكرارها فِي الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم فِي أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة فِي أزمنة ارتكاب الشهوات، وجعل يوماً من أيام الأسبوع مخصوصاً للاجتماع على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية، فوضع السبت لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسبت آخر الأسبوع، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول العوالم، ويوم الأحد أول الأسبوع، والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمع، والختم فهو أوفق بهم وأليق بحالهم فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلاً زال نور استعداده، وطفئ مصباح فؤاده، ومسخ كما مسخ أصحاب السبت، ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال استعداده، وتمكن فِي طباعه، وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان حتى كأن صار طباعه طباعه، ونفسه نفسه، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكمية، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية.
هي النفس إن تهمل تلازم خساسة ...
وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 284}
[لطيفة]
قال أبو حيان:
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمني اليهود والنصارى والصابئين، ومؤمني غيرهم فِي كينونة الأجر لهم، وأن ذلك عند من يراهم، وأن إيمانهم فِي الدنيا أنتج لهم الأمن فِي الآخرة، فلا خوف مما يستقبل، ولا حزن على ما فات إذ من استقر له أجره عند ربه فقد بلغ الغاية القصوى من الكرامة.
وقد أدخل هذه الآية بين قصص بني إسرائيل ليبين أن الفوز إنما هو لمن أطاع.
وصارت هذه الآية بين آيتي عقاب: إحداهما تتضمن ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل، والأخرى تتضمن ما عوقبوا به من نتق الجبل فوقهم، وأخذ الميثاق، ثم توليهم بعد ذلك.