قال - عليه الرحمة:
{وَإِذْ قُلْتُمْ} تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم وكُفرانهم لنعمة الله عز وجل وإخلادِهم إلى ما كانوا فيه من الدناءة والخساسةِ، وإسنادُ القول المحكّى إلى أخلاقهم وتوجيهُ التوبيخ إليهم لما بينهم من الاتحاد {يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} لعلهم لم يريدوا بذلك جمعَ ما طلبوا مع ما كان لهم من النعمة ولا زوالَها وحصولَ ما طلبوا مكانها إذ يأباه التعرضُ للوحدة بل أرادوا أن يكون هذا تارةً وذاك أخرى. رُوي أنهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة العتيدة لوحدتها النوعية وإطرادها وتاقت أنفسُهم إلى الشقاء {فادع لَنَا رَبَّكَ} أي سله لأجلنا بدعائك إياه والفاء لسببية عدمِ الصبر للدعاء، والتعرضُ لعنوان الربوبية لتمهيد مبادي الإجابة {يُخْرِجْ لَنَا} أي يُظهِرْ لنا ويوجِدْ والجزم لجواب الأمر {مِمَّا تُنبِتُ الأرض} إسناد مجازيٌّ بإقامَةِ القابلِ مُقامَ الفاعل ومن تبعيضيةٌ والتي فِي قوله تعالى: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} بيانية واقعةٌ موقعَ الحال أي كائناً من بقلها الخ وقيل: بدلٌ بإعادة الجارِّ، والبقلُ ما تنبتُ الأرضُ من الخُضَر والمراد به أطايبُه التي تؤكلُ كالنَّعناع والكُرفُس والكُرَّاث وأشباهِها، والفومُ الحِنطةُ وقيل: الثوم وقرئ قُثائها بضم القاف وهو لغة فيه {قَالَ} أي الله تعالى أو موسى عليه السلام إنكاراً عليهم وهو استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قال لهم فقيل قال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} أي أتأخُذون لأنفسِكم وتختارون {الذي هُوَ أدنى} أي أقربُ منزلةً وأدون قدراً سهلُ المنال وهينُ الحصول لعدم كونه مرغوباً فيه وكونه تافهاً مرذولاً قليلَ القيمة، وأصلُ الدنوّ القُرب فِي المكان فاستعير للخِسة كما استعير البُعدُ للشرف والرفعة، فقيل: بعيدُ المحل وبعيدُ الهمة وقرئ أدنأُ من الدناءة وقد