الثالث: أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه، والجواب عن الأول: أنه ليس تحت قولهم: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط، بل اشتهوا شيئاً آخر، ولأن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ} إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي فِي المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع، وعن الثاني: أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع فِي الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع فِي الآخرة، وعن الثالث: بقريب من ذلك، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك فِي الحاضر، فقد يقال فِي الغائب المشكوك فيه: إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ} هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً، وإذا كان كذلك فقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءو بِغَضَبٍ مّنَ الله} ، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى: {ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق} فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 91 - 93}
[فائدة]
قال الفخر:
قوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} ليس المراد أنه واحد فِي النوع بل أنه واحد فِي النهج وهو كما يقال: إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 93}