واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض: الأول: أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره، الثاني: لعلهم فِي أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده فِي أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً.
الثالث: لعلهم ملوا من البقاء فِي التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا فِي البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة.
الرابع: أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس فِي القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: {اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين فِي ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال: إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال: {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [الشورى: 20] لأنا نقول هذا خلاف الظاهر، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه.
الأول: أن قولهم: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية، الثاني: أن قول موسى عليه السلام: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ} استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على كونه معصية.