72 -قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} الآية. كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، وإنما تأخر في الكلام؛ لأن الله عز وجل لما قال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] ، علم المخاطبون أن البقرة لم تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقرّ علم هذا في نفوسهم أتبعه بقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} على جهة التوكيد، لا أنه عرّفهم الاختلاف في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة، وقيل: إنه من المؤخر الذي يراد به التقديم، وتأويل {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} ، فسألتم موسى فقال لكم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} . وهذا عادة العرب في كلامهم، قال الله جل اسمه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} [الكهف:1, 2] ، أراد: أنزل على عبده الكتاب قِيَماً. وقال الفرزدق يمدح خال هشام:
وَمَا مِثْلُه في النَّاسِ إلا مُملَّكًا ... أبو أمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ
أراد: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكاً، أبو أم المملك أبوه، فقدّم وأخّر.
وأضاف القتل إليهم في قوله: {وَإِذ قَتَلتُم} وإن كان القاتل واحداً على ما ذكرنا من مذهب العرب أنهم يضيفون فعل البعض إلى جماعة القبيلة، يقولون للقبيلة: انهزمتم يوم ذي قار وإنما انهزم بعضهم.
وقوله تعالى: {وَإِذ قَتَلتُم} ينعطف على قوله: {وَإِذ قَلتُم يَامُوسَى} [البقرة: 55] ، {وَإِذ فَرَقنَا} [البقرة: 50] والذكر مضمر فيها كأنه: واذكروا إذ قتلتم، ولهذا لم يأت لـ (إذ) بجواب. ومثله قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ، وليس شيء قبله تراه ناصباً لصالح، فعلم بذكر النبي وبالمرسل إليه أن فيه إضمار: أرسلنا.