قال الفخر:
أما قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} فنقول: إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم.
أما قوله تعالى: {كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله} ففيه حذف، والمعنى: فقلنا لهم أو قال لهم موسى: كلوا واشربوا، وإنما قال: كلوا لوجهين، أحدهما: لما تقدم من ذكر المن والسلوى، فكأنه قال: كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء.
والثاني: أن الأغذية لا تكون إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب.
واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، قالوا: لأن أقل درجات قوله: {كُلُواْ واشربوا} الإباحة، وهذا يقتضي كون الرزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً وإنه غير جائز.
أما قوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ} فالعثي أشد الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا فِي الفساد فِي حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع فِي الماء عند اشتداد الحاجة إليه، فكأنه تعالى قال: إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا فِي التنازع. والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 91}