{كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله} على إرادة القول، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه، و (من) لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض، وفي ذكر الرزق مضافاً تعظيم للمنة، وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف، وفي هذا التفات إذ تقدم {فَقُلْنَا اضرب} ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا، ولو جعل الإضمار قبل {كُلُواْ} مسنداً إلى موسى أي وقال موسى: كلوا واشربوا لا يكون فيه ذلك، والرزق هنا بمعنى المرزوق وهو الطعام المتقدم من المنّ والسلوى، والمشروب من ماء العيون، وقيل: المراد به الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم فِي التيه من زروع ذلك الماء كما يشير إليه قوله تعالى: {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض} [البقرة: 1 6] و {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} [البقرة: 1 6] ويلزم عليه أيضاً الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤول إلى كلوا واشربوا من الماء، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته، والأكل بإرادة ما هو سبب عنه، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله، وقول بعض المتأخرين إن رزق الله عبارة عن الماء، وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يروي العطشان يشبع الجوعان فهو طعام وشراب بعيد غاية البعد، وأقرب منه أن لا يكون {كُلُواْ واشربوا} بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمراً مرتباً على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم الله تعالى، وعدم الإفساد بإضلال الخلق، وجمع عرض الدنيا ويكون فصله عما سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور