{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) }
أمرٌ بالتلبس بشعار الإسلام عقب الأمر باعتقاد عقيدة الإسلام فقولُه: {وآمنوا بما أنزلت} [البقرة: 41] الآية راجع إلى الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم وما هو وسيلة ذلك وما هو غايته، فالوسيلة {اذْكروا نعمتي إلى فارهبون} [البقرة: 40] والمقصدُ {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} ، والغاية {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} .
وقد تخلل ذلك نهي عن مفاسد تصدهم عن المأمورات مناسباتٍ للأوامر.
فقوله: {وأقيموا الصلاة} إلخ أمر بأعظم القواعد الإسلامية بعد الإيمان والنطق بكلمة الإسلام، وفيه تعريض بحسن الظن بإجابتهم وامتثالهم للأوامر السالفة وأنهم كملت لهم الأمور المطلوبة.
وفي هذا الأمر تعريض بالمنافقين، ذلك أن الإيمان عقد قلبي لا يدل عليه إلا النطق، والنطقُ اللساني أمر سهل قد يقتحمه من لم يعتقد إذا لم يكن ذا غلو فِي دينه فلا يتحرج أن ينطق بكلام يخالف الدين إذا كان غير معتقد مدلوله كما قال تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14] الآية، فلذلك أمروا بالصلاة والزكاة لأن الأولى عمل يدل على تعظيم الخالق والسجود إليه وخلع الآلهة، ومثل هذا الفعل لا يفعله المشرك لأنه يغيظ آلهته بالفعل وبقول الله أكبر ولا يفعله الكتابي لأنه يخالف عبادته، ولأن الزكاة إنفاق المال وهو عزيز على النفس فلا يبذله المرء فِي غير ما ينفعه إلا عن اعتقاد نفع أخروي لا سيما إذا كان ذلك المال ينفق على العدو فِي الدين، فلذلك عقب الأمر بالإيمان بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنهما لا يتجشمهما إلا مؤمن صادق.
ولذلك جاء فِي المنافقين {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [النساء: 142] وقوله: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 4، 5] وفي"الصحيح"أن صلاة العشاء أثقل صلاة على المنافقين.