ولعل الأمر به حينئذ بعد الأمر بالزكاة لما أنها مظنة ترفع فأمروا بالخضوع لينتهوا عن ذلك إلا أن الأصل فِي إطلاق الشرع المعاني الشرعية: وفي المراد بالراكعين قولان: فقيل: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل: الجنس وهو الظاهر.
ومن باب الإشارة: فِي قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق} الخ أي لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بالسوي فإن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ...
{وَتَكْتُمُواْ الحق} بالتفاتكم إلى غيره سبحانه {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 2 4] أنه ليس لغيره وجود حقيقي، أو لا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة الحقة بالباطل الذي هو صفات نفوسكم، ولا تكتموها بحجاب صفات النفس وأنتم تعلمون من علم توحيد الأفعال أن مصدر الفعل هو الصفة فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفته لغيره {وَإِذْ أَخَذْنَا} بمراقبة القلوب {وَإِذْ أَخَذْنَا} أي بالغوا فِي تزكية النفس عن الصفات الذميمة لتحصل لكم التحلية بعد التخلية، أو أدوا زكاة الهمم فإن لها زكاة كزكاة النعم بل إن لكل شيء زكاة كما قيل:
كل شيء له (كاة ... وزكاة الجمال رحمة مثلي
{واركعوا} [البقرة: 43] أي اخضعوا لما يفعل بكم المحبوب، فالخضوع علامة الرضا الذي هو ميراث تجلي الصفات العلى، وحاصله ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي فإن لي أحباباً لسان حال كل منهم يقول:
وتعذيبكم عذب لدي وجوركم ... عليَّ بما يقضي الهوى لكم عدل
ثم إنه تعالى لما أمرهم بفعل الخير شكراً لما خصهم به من النعم حرضهم على ذلك من مأخذ آخر. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 247}