قال - رحمه الله:
{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} هذا افتتاح الكلام مع اليهود والنصارى، ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة، وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكتاب، وأن فيه هدى للمؤمنين، ثم أعقب ذلك بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة، ثم بذكر المنافقين، وذكر جمل من أحوالهم، ثم أمر الناس قاطبة بعبادة الله تعالى، ثم ذكر إعجاز القرآن، إلى غير ذلك مما ذكره، ثم نبههم بذكر أصلهم آدم، وما جرى له من أكله من الشجرة بعد النهي عنه، وأن الحامل له على ذلك إبليس.
وكانت هاتان الطائفتان: أعني اليهود والنصارى، أهل كتاب، مظهرين اتباع الرسل والاقتداء بما جاء عن الله تعالى.
وقد اندرج ذكرهم عموماً فِي قوله: {يا أيها الناس اعبدوا} فجرد ذكرهم هنا خصوصاً، إذ قد سبق الكلام مع المشركين والمنافقين، وبقي الكلام مع اليهود والنصارى، فتكلم معهم هنا، وذكروا ما يقتضي لهم الإيمان بهذا الكتاب، كما آمنوا بكتبهم السابقة، إلى آخر الكلام معهم على ما سيأتي جملة مفصلة.
وناسب الكلام معهم قصة آدم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لأنهم بعدما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح، المذكور ذلك فِي التوراة والإنجيل، من الإيفاء بالعهد والإيمان بالقرآن، ظهر منهم ضد ذلك بكفرهم بالقرآن ومن جاء به، وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماع ما يرد عليهم من الأوامر والنواهي، نحو قوله: {يا أيها الناس اعبدوا} {ويا آدم اسكن}
وقد تقدم الإشارة إلى ذلك، وأضافهم إلى لفظ إسرائيل، وهو يعقوب، ولم يقل: يا بني يعقوب، لما فِي لفظ إسرائيل من أن معناه عبد الله أو صفوة الله، وذلك على أحسن تفاسيره، فهزهم بالإضافة إليه، فكأنه قيل: يا بني عبد الله، أو يا بني صفوة الله، فكان فِي ذلك تنبيه على أن يكونوا مثل أبيهم فِي الخير، كما تقول: يا ابن الرجل الصالح أطع الله، فتضيفه إلى ما يحركه لطاعة الله، لأن الإنسان يحب أن يقتفى أثر آبائه، وإن لم يكن بذلك محموداً، فكيف إذا كان محموداً؟ ألا ترى:
{إنا وجدنا آباءنا على أمة} {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} وفي قوله: {يا بني إسرائيل} دليل على أن من أنتمى إلى شخص، ولو بوسائط كثيرة، يطلق عليه أنه ابنه، وعليه {يا بني آدم} ويسمى ذلك أباً.
قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} وفي إضافتهم إلى إسرائيل تشريف لهم بذكر نسبتهم لهذا الأصل الطيب، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
ونقل عن أبي الفرج بن الجوزي: أنه ليس لأحد من الأنبياء غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إسمان إلا يعقوب، فإنه يعقوب، وهو إسرائيل.
ونقل الجوهري فِي صحاحه: أن المسيح اسم علم لعيسى، لا اشتقاق له.
وذكر البيهقي عن الخليل بن أحمد خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل.