والمراد بقوله: {يا بني إسرائيل اذكروا} من كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وما والاها من بني إسرائيل ، أو من أسلم من اليهود وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، أو أسلاف بني إسرائيل وقدماؤهم ، أقوال ثلاثة: والأقرب الأول ، لأن من مات من أسلافهم لا يقال له: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} ، إلا على ضرب بعيد من التأويل ، ولأن من آمن منهم لا يقال له: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به} ، إلا بمجاز بعيد.
ويحتمل قوله: اذكروا الذكر باللسان والذكر بالقلب: فعلى الأول يكون المعنى: أمرّوا النعم على ألسنتكم ولا تغفلوا عنها ، فإن إمرارها على اللسان ومدارستها سبب فِي أن لا تنسى.
وعلى الثاني يكون المعنى: تنبهوا للنعم ولا تغفلوا عن شكرها.
وفي النعمة المأمور بشكرها أو بحفظها أقوال: ما استودعوا من التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ما أنعم به على أسلافهم من إنجائهم من آل فرعون وإهلاك عدوهم وإيتائهم التوراة ونحو ذلك ، قاله الحسن والزجاج ، أو إدراكهم مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو علم التوراة ، أو جميع النعم على جميع خلقه وعلى سلفهم وخلفهم فِي جميع الأوقات على تصاريف الأحوال.
وأظهر هذه الأقوال ما اختص به بنو إسرائيل من النعم لظاهر قوله: {التي أنعمت عليكم} ، ونعم الله على بني إسرائيل كثيرة ، استنقذهم من بلاء فرعون وقومه ، وجعلهم أنبياء وملوكاً ، وأنزل عليهم الكتب المعظمة ، وظلل عليهم فِي التيه الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى.
قال ابن عباس: أعطاهم عموداً من النور ليضء لهم بالليل ، وكانت رؤوسهم لا تتشعث ، وثيابهم لا تبلى.