قال - رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}
المخاطبون إما أهل الكتاب الذين كانوا فِي زمنه صلى الله عليه وسلم، أي: اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم، والأمور التي جرت عليهم، والعقاب الذي نزل بمن أصرّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم، والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم. فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. وهذا أَولى؛ لأن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} ، خطاب مشافهة. فحمله على الحاضرين أولى. وإما [فِي المطبوع: وأما] أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا فِي زمن موسى عليه السلام خصوصاً، أو من قبل المخاطبين من سلفهم. والله أعلم {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} فِي القساوة: {أَوْ أَشَدُّ} منها: {قَسْوَةً} أي: هي فِي القسوة مثل الحجارة أو زائد عليها فيها. و: {أَوْ} للتخير أو للترديد. بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بما هو أقسى كالحديد، أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال هي أقسى من الحجارة، وترك ضمير المُفَضَّل عليه للأمن من الالتباس: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ} أي: يتفتح بالسعة والكثرة: {مِنْهُ الأَنْهَارُ} بيان لأشديّة قلوبهم من الحجارة فِي القساوة وعدم التأثر بالعظات، والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه