فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} ففيه أجوبة.
أحدها: هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم، إما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم.
وثانيها: المراد من قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا فِي أغلاف ولا فِي أغطية، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا فِي دلائلك يا محمد، فلم نجد منها شيئاً قوياً.
فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول،
وثالثها؛ لعل قلوبهم ما كانت فِي الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} [الأنعام: 20] [البقرة: 146] إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 163}
وقال الآلوسي:
{بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة فِي قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقاً وصدقاً بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها، ويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما قيل قبل من الوجوه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 319}