قال - رحمه الله:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) }
فيه خمس عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} "نُنْسِها"عطف على"ننسخ"، وحذفت الياء للجزم.
ومن قرأ"نَنْسَأْها"حذف الضمة من الهمزة للجزم؛ وسيأتي معناه.
{نَأْتِ} جواب الشرط، وهذه آية عظمى فِي الأحكام.
وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين فِي التوجّه إلى الكعبة وطعنوا فِي الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه؛ فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضاً؛ فأنزل الله: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101] وأنزل"مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ".
الثانية: معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتّب عليه من النوازل فِي الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام.
روى أبو البَخْتَرِيّ قال: دخل عليّ رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوّف الناس؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يُذكّر الناس؛ فقال: ليس برجل يذكّر الناس! لكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ ا فقال: لا؛ قال: فاخرج من مسجدنا ولا تُذكّر فيه.
وفي رواية أُخرى: أعلمتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا؛ قال: هلكتَ وأهلكت.
ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.
الثالثة: النسخ فِي كلام العرب على وجهين:
أحدهما: النقل؛ كنقل كتاب من آخر.
وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً؛ أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العِزّة فِي السماء الدنيا؛ وهذا لا مدخل له فِي هذه الآية؛ ومنه قوله تعالى: {إِنّاَ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] أي نأمر بنسخه وإثباته.