وقلنا: إن"كن"ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذ قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون، وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب.
وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب ب"كن"أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب. انتهى انتهى. {تفسير النسفي حـ 1 صـ 71}
قيل: عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة:
أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره فِي خلقه الموجود، كما أمر فِي بني إسرائيل، أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا وارداً فِي إيجاد المعدومات.
الثاني: أن الله عز وجل عالم، بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه، قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة، فجاز أن يقول لها كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها فِي حال العدم.
والثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى، عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه، ويكوّنه، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً، كقول أبي النجم:
قد قالت الأنساع للبطن الحق ... قدما فآضت كالغسق المحقق
ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن، وكقوله عمرو بن حممة الدوسي.
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطياراً يقال له قَعِ. انتهى انتهى. {النكت والعيون حـ 1 صـ 178 - 179}
وقال ابن الجوزي:
فإن قيل: هذا خطاب لمعدوم؟
فالجواب أنه خطاب تكوين يُظهر أثر القدرة، ويستحيل أن يكون المخاطب موجوداً، لأنه بالخطاب كان، فامتنع وجوده قبله أو معه.
ويحقق هذا أن ما سيكون متصور للعلم، فضاهى بذلك الموجود، فجاز خطابه لذلك. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 1 صـ 136 - 137}