قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً للنَّاس وَأَمْنًا ...(125)
قوله: (أي الكعبة غلب عليها كالنجم عَلَى الثريا) أي أن البيت من الأعلام الغالبة
للكعبة كما نقل عن الرضي، وهو كل اسم جنس عرف بلام العهد أو الْإضَافَة واستعمل
الواحد منهم بحَيْثُ اختص به، وفهم منه بلا تقدم ذكر حقيقي أو حكمي، وقد يكون تَغْليبأ
حقيقيًا وقد يكون تقديريًا، ففهم غير الكعبة منه بتوقف عَلَى ذكر حقيقي أو حكمي ولكونه
علمًا مع اللام لا يفارقه اللام وكذا الْإضَافَة، ولو جعل التعريف للعهد لصح، ففي اختيار
اعتبار العلمية دون كون اللام للعهد مع أنه يحتمله إشعار بأن اللَّفْظ المستعمل للغلبة أو
التعريف العهدي فالسابق العلمية؛ لأن الإحضار بالعلم أبلغ من الإحضار بالتعريف. قوله
كالنجم عَلَى الثريا. أشار به ما مرَّ من أن البيت مع اللام علم.
قوله: (مرجعًا يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم) أَشَارَ إلَى أن مثابة كالمثاب اسم
مكان من ثاب يثوب أي رجع يرجع والتاء فيه للمُبَالَغَة لا للتأنيث كعلامة ونسابة.
وأصله مثوبة فاعل فصار مثابة، وإنَّمَا قيل مثابة لكونه مرجعًا يرجع إليه أعيان الزوار. أي
يرجع بعدما خرجوا عنه بأنفسهم فالرجوع حِينَئِذٍ عَلَى الْحَقيقَة فالأعيان جمع عين بمعنى
النفس والذات أو أمثالهم أي وإن لم يتحقق الرجوع من الزوار بأنفسهم فلا جرم أن يوجد
الرجوع من أمثال الزوار، فالرجوع متحقق قطعًا لكن الرجوع في الأول حقيقي كما عرفت.
وفي الثاني مجازي، فيلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز في يثوب إليه وهو جائز عند الشَّافعيّ
وهو مذهب الْمُصَنّف، وفي كلام الأئمة الْحَنَفيَّة يعتبر عموم الْمَجَاز وتعريف النَّاس
للاسْتغْرَاق العرفي، والْمُرَاد الزوار ويجوز حمله عَلَى العهد مع تكلف، وحمله عَلَى الجنس
مراد به الفرد الكامل كما حقق ذلك في قَوْله تَعَالَى: (وَإذَا قيلَ لَهُمْ آمنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)
الآية. ثم قيل إن في نسبة الثوب إلَى الأمثال لا بد فيها من اعتبار قيد الحيثية
أي من حيث إنهم أمثالهم وعلى صفتهم [وهو أنهم] وفد الله وزوار بيته ولا ريب في أن
الأمثال يشعر بذلك فلا تكلف فيه، وإنَّمَا جعل زيارة غير الحاج رجوعًا مَجَازًا لاتصاله به
دينًا، وقد يتصل به نسبًا أَيْضًا، فيكون الْمَجَاز لأدنى ملابسة نظيره قَوْلُه تَعَالَى:(وَإذْ أَخَذْنَا
ميثَاقَكُمْ لَا تَسْفكُونَ دمَاءَكُمْ)الآية. قال الْمُصَنّف هناك، وإنما جعل قتل الرجل
غيره قتل نفسه لاتصاله به نسبًا أو دينًا فجعل زيارة غير الحاج زيارة الحاج للاتصال
الْمَذْكُور وأطلق عليه الرجوع والعود كأنه عاد إليه بعد ما تفرق عنه.
قوله: (أو مَوْضع ثواب يثابون بحجه واعتماره) أي النَّاس ويعطون أجرهم بغير
حساب بحج فرض أو نفل، واعتماره أي عمرة فحِينَئِذٍ لا تكلف لعدم اعتبار الرجوع فيه أخَّره
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: مرجعًا يثوب إليه أعيان الزوار وأمثالهم. المثابة من ثاب إليه إذا رجع إليه بعد ذهابه منه.
ولما لم يصح بحسب اللغة أن يكون مرجعًا في حق من جاءه ابتداء عطف الأمثال عَلَى أعيان
الزوار فإن من زار البيت ابتداء وإن لم يسمَ زيارته رجوعًا، لكن هُوَ كمن يرجع إليه بعد ذهابه منه
في كونه زائرًا، فكان كأنه هو، فمثابة حَقيقَة في مجيء عين الزائر أولًا، ومجاز في مجيء الزائر ابتداء.
لكن عَلَى هذا يلزم في لفظ مثابة الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز، فالأولى أن يفسر مثابة بما هُوَ أعم
من معنى المرجع مثل مزارًا ليكون إطلاقها عليه من باب عموم الْمَجَاز.