{وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَا} أي الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفاً لليهود (1) .
أو الصخرة لقول ابن عباس رضي الله عنهما:"كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها"فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ. والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس. انتهى انتهى. {تفسير البيضاوي حـ 1 صـ 417}
(1) يقول ابن القماش:
لا يخفى ما فِي هذا الوجه من بعد بعيد ومجانبة للصواب؛ لمكان العصمة الشريفة، وعلو مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى والذي حكى الله على لسانه فِي أكثر من موضع قوله {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} فهل من المتصور أن يطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضا اليهود فِي مقابل أمر الله أو دون أمر من الله، ومن المعلوم أن اليهود من أول وهلة دخل فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة لم يتوقفوا عن مساومته لدرجة أنهم عند تحويل القبلة طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى قبلة بيت المقدس فِي مقابل دخولهم الإسلام فهل أجابهم؟؟!!!
لقد أنزل الله إليه قوله تعالى {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}
ويكفى فِي رد هذا الافتراء قوله تعالى بعد هذه الآية {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}
والسؤال الذي يفرض نفسه هل يفهم من نص الآيتين الكريمتين السابقتين تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي التوجه إلى بيت المقدس؟!!
ولا شك أن هذا السؤال غني عن الجواب.
إن هذا الزعم الباطل والزائف هو عين ما يدعيه المستشرقون الآن مع يقينهم بافترائهم وتجنيهم على الإسلام وعلى رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - {إن هذا لشيء عجاب} ومواضع مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لليهود مشهورة بل وأمره صلى الله عليه وسلم بمخالفة اليهود والنصارى ظاهر وجلي فهل يتصور عاقل فضلا عن فاضل أن يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته بمخالفة اليهود والنصارى ثم يميل بل يتوجه - صلى الله عليه وسلم - على مدى ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا - على خلاف فِي الروايات - إلى قبلة بيت المقدس لإرضاء اليهود.
إن الشرع والعقل يأبى هذه الفرية ويقضي ببطلانها. والله أعلم