قوله - جلَّ جلالُه: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ...(124)
ثم صرف وجه الخطاب إلى اليهود والنصارى وكفار العرب، فذكرهم بأبيهم الأقرب، كما ذكرهم أولاً بأبيهم الأقصى، وكما ذكَّر اليهود والنصارى بنعمه عليهم،
وتفضيله إياهم بوعظ وتخويفهم بأسه وعقابه، فذكرهم عهده إلى إبراهيم - عليه السلام -
وإمامته، وإنه لا ينال عهده الظالمون من عباده تعريضًا لهم بظلمهم، وقطعًا للرجاء
منهم في وصلتهم مع الإقامة منهم على ما هم عليه، ومع ذلك يذكرهم بالأخوة
وأخوة النسب، وأن إسماعيل وإبراهيم - صلى الله عليهما وسلم - ابتنيا البيت
الحرام، يعرض لهم - جلَّ جلالُه - بالرجوع إليه والتوجه نحوه، ويسد عليهم مكان الحسد
للعرب، وإنهم وإن كانوا معهم بني أخوين وإنهم لأبٍ واحد ونسب سواء، وإنهما
كانا مسلمين مؤمنين عليهما السلام.
وذكر - عز وجل - دعاهما لبنيهما بالإسلام، وتعليم المناسك والتوبة، وبأن يبعث الله
(رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
يقول الله تعالى: فها هو هذا دعوة إبراهيم وإسماعيل، وتوصية إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب - صلى الله عليهم أجمعين - بهذه الملة السواء
والطريق المثلى، هذا كله يحبب إليهم الدخول في الإسلام والاهتداء بهدايته
والاحترام بحرمته، وإنه من رغب عن ملة إبراهيم - عليه السلام - منهم أو من غيرهم فقد سفه
نفسه؛ إذ لا هدى إلا هدى الله، ولا دين غير دين الإسلام مقبولاً شهادة شهد بها
جميعهم يوم توصية إبراهيم يعقوب وإسحاق - صلوات الله وسلامه على جميعهم -
فأقروا بذلك وأشهدهم أنهم مسلمون.
يقول الله - جلَّ جلالُه - لليهود والنصارى وكفار العرب: وها أنتم أولاً مخالفون لهم في
شهادتهم وإقرارهم في قولهم للعرب: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) .
يقول الله - عز وجل - وقوله الحق: (قل) يا محمد (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)