[من روائع الأبحاث]
(باب مختصر من التعازي في المصائب والصبر على النوائب)
قال ابن عبد البر:
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا عزى قوماً، قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، والموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده، اذكروا فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسهل عليكم مصيبتكم.
قال أبو العتاهية:
اصبر لكل مصيبةٍ وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
أوما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبةٍ؟ ... هذا قبيل لست فيه بأوحد
وإذا أتتك مصيبة تشجي بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
وقال منصور الفقيه:
ألا أيها النفس السئوم تنبهي ... وألقى إلى السمع إلقاء حازمه
ضلال لأذهان وظن مكذب ... رجاؤك أن تبقى على الدهر سالمه
وقد غص بالكأس الكريهة أحمد ... ومات فمات الحق إلا معالمه
عليه سلام الله ما فصل الندى ... وصدق ذو الشح المطاع لوائمه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تنزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة".
قال علي رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.
قال محمد بن علي بن الحسين: الصبر صبران؛ فصبر عند المصيبة حسن جميل، والصبر عما حرم الله أفضل.
مات ابن لخالد بن عبد الله القسري، فقامت الخطباء تعزيه فأطنبت، فقام دهقان فقال: أيها الأمير! إن رأيت أن تقدم ما أخرت من الصبر، وتؤخر ما قدمت من الجزع فافعل. فلم يحفظ إلا كلامه.
مات ابن لعمر بن عبد العزيز، فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه عنه، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإن هذا أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره، والسلام.
عزى ابن عباس عمر عن ابن له، فقال له: عوضك الله منه ما عوضه منك.
عزى عبد الله بن عباس عبد الله بن جعفر، فقال: لا أعدمك الله الأجر على الرزية، ولا الخلف من الفقيد، وثقل به ميزانك.
قال العتبي:
كل حزن يبلي على قدم الدهر ... وحزني يجده الأبد
فجعت باثنين ليس بينهما ... إلا ليالٍ ليست لها عدد
ما عالج الحزن والحرارة في الأحـ ... شاء من لم يمت له ولد
قال سهم بن عبد الحميد: شهدت يونس بن عبيد وقد عزاه عمرو بن عبيد على ابنٍ له هلك، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن أمرءًا ذهب أصله وفرعه لحرى أن يقل بقاؤه.