172 -وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}
قال المفسرون: هذا أمرُ إباحةٍ لا ندبٍ، ولا إيجابٍ، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها، وذكرنا لم سُمّي الحلال طيبًا.
وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج.
173 -ثم بين أن المحرَّم ما هو، فقال عز من قائل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} الآية. {إِنَّمَا} تكون على وجهين:
أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا، وما بعده من الأفعال يكون عاملًا في الأسماء على حسب عمله، فتقول: إنما دخلت دارَك، وإنما أعجبتني دارُك، وإنما مالي مالُك.
والوجه الآخر: أن تكون حرفين: ما منفصلة عن إنّ، وتكون بمعنى الذي، وإذا كان كذلك وصلتها بما توصل به (الذي) ، ثم ترفع الاسم الذي يأتي بعد الصلة، كقولك: إنّ ما أخذت مالُك، وإنّ ما ركبتُ دابتُك، وفي التنزيل كثيرًا ما أتى على الوجهين:
كقوله: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171] ، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ} [هود: 12] ، فهذه حرفٌ واحد؛ لأن (الذي) لا يصلح في موضع (ما) . وأما التي في مذهب (الذي) فقوله: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] ، ولو نصب كيدَ ساحر على أن تجعل (إنما) حرفًا واحدًا كان صوابًا، وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت: 25] ، تنصب المودة وترفع، على ما ذكرنا من الوجهين، هذا كله قول الفراء.