[من روائع الأبحاث]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
(مجْلِس فِي فضل الصّيام)
قَالَ الله تَعَالَى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الْبَقَرَة 183]
أَيهَا الغافل عَن الثَّوَاب الْكثير والساهي عَن الْملك الْكَبِير واللاهي عَن لِبَاس السندس وَالْحَرِير المتقاعد عَن الْيَوْم العبوس القمطرير النَّائِم عَمَّا أُتِي بِهِ مُحَمَّد البشير النذير الَّذِي أنقذنا الله بِهِ من جَهَنَّم وحر السعير
يَا غافل يَا ساهي أَتَاك شهر رَمَضَان المتضمن للرحمة والغفران وَأَنت مصر على الذُّنُوب والعصيان مُقيم على الآثام والعداون متمادي فِي الْجَهَالَة والطغيان متكل م بالغيبة والبهتان متعرض لسخط الرَّحْمَن قد تمكن من قَلْبك الشَّيْطَان فألقي فِيهِ الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان فأنساك نعيم الْخلد والجنان فظللت تعْمل أَعمال أهل النيرَان فَإِن كنت يَا مِسْكين كَذَلِك فَكيف ترجو الْفَوْز بالرضوان والحلول فِي دَار الْخلد والأمان والخلاص من دَار الْعقُوبَة والهوان
وَأَنت مطعمك حرَام ولباسك حرَام وَلِسَانك لَا يفتر عَن قَبِيح الْكَلَام وبصرك حَدِيد إِلَى مَا حرم من الْحَرَام عَلَيْك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام ويدك ممدودة إِلَى مَا نهاك عَنهُ الْملك العلام وقدمك تسْعَى إِلَى مَا هُوَ إِثْم وَحرَام وَأَنت فِي جَمِيع أمورك وأفعالك مُخَالف لِلْقُرْآنِ وَالْأَحْكَام تَارِك لسنة مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
فجسمك من الْجُوع متعوب من الْفجْر إِلَى الْغُرُوب ويلحقك النصب واللغوب وصومك عَن مَوْلَاك بالطرد مَحْجُوب وأخاف أَن تكون فِي النَّار على وَجهك مكبوب لمخالفتك لعلام الغيوب
فخمص وَيحك بَطْنك عَن أكل الرِّبَا وَالْحرَام وأحبس لسَانك عَن الْوُقُوع فِي جمَاعَة الْإِسْلَام وغض طرفك عَمَّا هُوَ عَلَيْك أعظم من أعظم الآثام وَهُوَ النّظر إِلَى مَا لَا يحل لَك من حرم الْأَنَام وامتثل مَا أَمرك بِهِ أحكم الْحُكَّام وقم بَين يَدَيْهِ فِي اللَّيْل البهيم إِذا هجع النوام وتضرع إِلَيْهِ إِذا أدهم اللَّيْل بداجي الظلام
وَحِينَئِذٍ يَصح لَك الْقبُول لشهر رَمَضَان وتفوز بالنعيم الأبدي فِي دَار السَّلَام وتنجو من الْأَهْوَال وَالْعَذَاب الغرام