[من روائع الأبحاث]
كلام جامع ونفيس فِي الآية الكريمة
قال الإمام أبو الحسن الحرالي فِي العروة:
وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقاً بصدق المحبة، فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيداً وطليعته آية ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى {اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} [النساء: 36] طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه فِي التذلل شيئاً أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين فِي إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة، وبدئت بالوضوء عملاً من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملاً من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان فِي مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان أقواهم إيماناً أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتاً، من أحب ملكاً خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها إلا فِي النوافل، ولإجهاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وبدنه فِي ذلك أنزل عليه {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى} [طه: 2 - 5] - إلى قوله {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى*} [طه: 8] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام