[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
قال التنوخي:
(حكاية)
أذن معاوية بن أبي سفيان للناس يوماً فوقف له فتىً من الأعراب فحدر اللثام وأنشأ يقول:
معاوي يا ذا الحلم والعلم والعقل ... ويا ذا الندى والجود والمجد والفضل
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي ... فبالله لا تقطع رجائي من العدل
وخذ لي بإنصافي من الجائر الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي
وهم بقتلي غير أن منيتي ... تنائت ولم أستكمل الرزق من أكلي
فقال معاوية: ما خطبك؟ فقال: جعلني الله فداك أنا رجل من أهل البصرة تزوجت ابنه عم لي وكنت لها عاشقاً، وكانت معجبة بي، فوقع بيني وبين أبيها ما يقع بين الأختان من الكلام فحجبها عني، فأخذني من ذلك ما لا يعلمه إلا الله. فأتيت عاملك ابن أم الحكم فشكوت إليه بعض ما أجد، فرق لي فبعث إليها وإلى أبيها فأتى بهما. فلما نظرا إليها أعجبته فأمر بي فحبست من غير أن يسمع منها ولا من أبيها، ثم بعث إليّ أن طلقها فأبيت، فعذبني بأنواع العذاب، فلما خشيت التلف طلقتها. فيا غياث المكروب هل من حيلة فقد أذهلني الحزن وأسهرني القلق.
فقال معاوية: والله ما رأيت كاليوم قط، ثم دعا بدواة وقرطاس وقال: اكتب إليه يا غلام وأكد عليه في البعثة بها لميعاد، وكتب في أسفل الكتاب:
أُعطي إلهي عهداً لا أكفره ... وأبرأ اليوم من ديني وإيماني
إن أنت خالفتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقباني
فحمل الرسل الكتاب وانطلقوا ودخلوا عليه فلما قرأه تنفس الصعداء، ثم أعاد قراءته ثم تنفس الصعداء، ثم قال: لوددت أن معاوية تركها عندي سنة ثم عرضني على السيف. وأمرها فتجهزت، وأمر للرسل بثلاثين ألف درهم وقال: إن خيّرك معاوية فاختاريني. فقالت: أقول ما يجري الله على لساني. وكتب كتاباً إلى معاوية يقول في أسفله.
لا تحنثن أمير المؤمنين فقد ... أوفيت نذرك في رفق وإمكان
وقد أتيت بوجه لا شبيه له ... فيما يرى الناس من إنس ومن جان
فاعذر فإنك لو أبصرت صورتها ... لقلت ما هذه تمثال إنسان
فخرج الرسل حتى قدموا على معاوية والعذرى مقيم، فلما نظر إليها معاوية أعجبته، وقال للأعرابي: ويحك هل من صبر عنها مع جليل العوض منها؟ قال: لا والله، ولو فرق بين جسدي ورأسي، وأنشأ يقول:
لا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
واللهِ والله لا فارقتها أبداً ... حتى أوسد في تراب وأحجار