164 -قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} عجب المشركون، وقالوا: إن محمدًا يقول: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ؛ فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية، وعلّمهم كيفيةَ الاستدلالِ على الصانع، وعلى
توحيدِه، وردَّهم إلى التفكر في آياته، والنظرِ في مصنوعاته، على ما عدّها في الآية. وبيَّن أنّ فيما ذكره في هذه الآية من عجيب صنعه، وإتقانِ أفعاله، واتساق صنائعه دليلًا على توحيده، فإن هذه الأفعال لا تحصل في الوجود لو كان لها صانعان؛ لوجوب التمانع بينهما، واستحالة تساويهما في صفة الكمال.
قال أهل المعاني: وجمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير الأخرى، ووحّد الأرض؛ لأنها كلها تراب.
وقوله تعالى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} فسّر الاختلاف هاهنا تفسيرين يرجعان إلى أصل واحد:
أحدهما: أنه افتعال، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، فاختلاف الليل والنهار: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه، ويجيء
من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه. أحدهما خلاف الآخر، أي: بعده، وكل شيء يجيء بعده شيء، فهو خِلفه. وبهذا فُسِّر قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان: 62] ، قال الفراء: يذهب هذا، ويجيء هذا.
الثاني: قال ابن كيسان وعطاء في هذه الآية: أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان.
قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفان وخِلْفتان، وقول زهير:
بها العِينُ والآرامُ يمشين خِلْفةً