الرابعة: لما قال: {مِنَ البينات والهدى} دلّ على أن ما كان من غير ذلك جائز كَتْمه، لاسيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد فِي الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال: حفِظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وِعاءَيْن؛ فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البُلْعوم. أخرجه البخاري. قال أبو عبد اللَّه: البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثّه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلّق بالبينات والهدى؛ والله تعالى أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 2 صـ 186}
فجوابُهُ منْ وجُوهٍ:
أحدها: أَنَّ أهل دينه يلْعَنُونه فِي الآخرة؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25] قال أبو العَالِيَةِ:"يُوقَفُ الكافِرُ يَوْمَ القيامةِ، فيلْعَنُهُ اللَّهُ، ثم تَلْعَنُهُ الملائكةُ، ثم تلْعَنُهُ النَّاسُ".
وثانيها: قال قَتَادَةُ، والرَّبِيع: أَرَادَ بالنَّاس أجْمَعِين المؤمِنِينَ؛ كأنه لَمْ يَعْتَدَّ بغَيْرهم، وحَكَم بأنَّ المؤمنين هُمُ النَّاس لا غَيْرُ.
وثالثها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهلَ، والظالم؛ لأنَّ قُبْحَ ذلك مُقَرَّرٌ فِي العُقُول فإذا كان فِي نَفسه [هو جاهلاً، أو ظالماً، وإنْ كَانَ لا يعلَمُ هو مِن نَفْسه كوْنَهُ كَذَلِكَ] كانَتْ لعنتُهُ على الجَاهِلِ والظَّالم تتناوَلُ نَفْسَهُ.
ورابعها: أَنَّ يُحْمَل وُقُوعُ اللَّعْنَة عَلَى اسْتحْقَاق اللَّعْنِ، وحينئذ يَعُمُّ ذلك. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 110}