قوله - جلَّ جلالُه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)
-عز وجل - لما دلَّ - جلَّ جلالُه - على نفسه وبيَّن ألوهيته، واستشهد على وحدانيته بما
نصب على ذلك من المعالم والآيات البينات، أرجع الخطاب إلى معنى قوله:(يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)إلى قوله جل قوله: (فَلَا
تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) .
وهم على ذلك من علمهم أنه لا ند له يجعلونها ويحبونها كحبهم لله - عز وجل -،
جعلهم لها وحبهم لها شيء لا تحقيق له، وإنما هو أمر ظنوه وحدثوا أنفسهم به
وزين لهم الشيطان [أعمالهم] تلك فألزموا قلوبهم ذكره حتى ألقوه وعملوا عليه،
وورث الخلف السلف على ذلك فضلوا وهم يعلمون.
أعرب الله جلَّ ذكره عن حالهم هذه بقوله الحق - جلَّ جلالُه: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) . فعلمهم
المستقر في قلوبهم هو أنهم ليسوا شركاء ولا أندادًا، لكنهم يتبعونهم ضلالاً
وتخرصًا: زعموا أنهم يشفعون ويقربونهم إلى الله [زلفى] كذبًا لزعمهم - سبحانه وله الحمد - زعموا عنه وكذبوا عليه حال غيبتهم، ولما واجههم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والكتاب، وأكذب زعمهم وأبطل ظنهم لجوا في باطلهم
واستمروا على ضلالهم (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(16) .
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(66) .
(عبرة)
الضلال كله من أصل واحد، وإنما هو شبه يشبه بها على من هو منه
ضلال، ألا ترى أنه من عصى الله من الموحدين المستجيبين لله والرسول والكتاب
منقطع الحجة، مقرًّا بالخلاف لربه، معترفا بالضلال عن رشده؛ لينفذ الله جل ذكره
أمره المقدر وكلماته الصادقة، فيفرز - جلَّ جلالُه - الدواب واستاقها غائبة عن مرادها ربها،