[من روائع الأبحاث]
بحث نفيس للعلامة الجصاص فِي الآية الكريمة
قال - رحمه الله:
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَائِلُونَ:"إنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَدْبًا وَإِرْشَادًا".
وَقَالَ آخَرُونَ:"قَدْ كَانَتْ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ"عَلَى الِاخْتِلَافِ مِنْهُمْ فِي الْمَنْسُوخِ مِنْهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ:"إنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً"بِأَنَّ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ وَفَحْوَاهَا دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} فَلَمَّا قِيلَ فِيهَا"بِالْمَعْرُوفِ"وَإِنَّهَا عَلَى الْمُتَّقِينَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ:"بِالْمَعْرُوفِ"لَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ، وَالْآخَرُ: قَوْلُهُ"عَلَى الْمُتَّقِينَ"وَلَيْسَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ، الثَّالِثُ: تَخْصِيصُهُ لِلْمُتَّقِينَ بِهَا وَالْوَاجِبَاتُ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمُتَّقُونَ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا بِالْمَعْرُوفِ لَا يَنْفِي وُجُوبَهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مَعْنَاهُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا شَطَطَ فِيهِ وَلَا تَقْصِيرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ هَذَا الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ وقَوْله تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} بَلْ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْوَاجِبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ} وَقَالَ: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} فَذِكْرُ الْمَعْرُوفِ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْوَصِيَّةِ لَا يَنْفِي وُجُوبَهَا بَلْ هُوَ يُؤَكِّدُ وُجُوبَهَا؛ إذْ كَانَ جَمِيعُ أَوَامِرِ اللَّهِ مَعْرُوفًا غَيْرَ مُنْكَرٍ.
وَمَعْلُومٌ أَيْضًا أَنَّ ضِدَّ الْمَعْرُوفِ هُوَ الْمُنْكَرُ، وَأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ هُوَ مُنْكَرٌ، وَالْمُنْكَرُ مَذْمُومٌ مَزْجُورٌ عَنْهُ، فَإِذًا الْمَعْرُوفُ وَاجِبٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ"
فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِإِيجَابِهَا؛ لِأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَكُونُوا مُتَّقِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ فَرْضٌ، فَلَمَّا جَعَلَ تَنْفِيذَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مِنْ شَرَائِطِ التَّقْوَى فَقَدْ أَبَانَ عَنْ إيجَابِهَا.