[من روائع الأبحاث]
(حكمة الصيام)
للشيخ/ محمد رشيد رضا
من باب تفسير القرآن العزيز
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
لا نذكر الآن ملخص ما أحصيناه من كلام مولانا مفتي الديار المصرية في
تفسير هذه الآية وسائر آيات الصوم , بل ندع ذلك حتى يجيء وقته في الترتيب إذا
أمهلنا الزمان , وإنما نذكر بعض الفوائد مما ذكره في حكمة الصيام التي تضمنها
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 21) قال حفظه الله تعالى ما مثاله ملخصًا:
كان الوثنيون يصومون؛ لتسكين غضب آلهتم إذا عملوا ما يغضبهم , أو
لإرضائهم واستمالتهم إلى مساعدتهم في بعض الشئون والأغراض , وكانوا يعتقدون
أن إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة الجسد , وانتشر هذا
الاعتقاد في أهل الكتاب , وجاء الإسلام يعلمنا أن الصوم ونحوه يعدنا للسعادة
بالتقوى , وأن الله غني عنَّا.
قلنا: إن معنى (لعل) الإعداد والتهيئة , وإعداد الصيام نفوس الصائمين
لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا , وأنصعها برهانًا , وأظهرها
أثرًا , وأعلاها خطرًا (شرفًا) أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه
إلا الله تعالى , وسرٌّ بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه وتعالى , فإذا
ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر
ربه , والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظًا عند عروض كل
رغيبة له من أكل نفيس وشراب عذب بارد وفاكهة يانعة وغير ذلك أنه لولا اطلاع
الله تعالى عليه ومراقبته له؛ لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها. لا جرم
أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى
والحياء منه سبحانه وتعالى أن يراه حيث نهاه. وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان
بالله تعالى , والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لسعادة
الروح في الآخرة.
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا