(باب الاعتكاف)
قال الحَلِيمي:
قال عز وجل: {وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} .
وقال: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان، لأنه كان يزداد فيه جداً واجتهاداً.
«وروي عنه أنه كان إذا دخلت العشر أحيى الليل وشد المئزر وأيقظ أهله» .
وقال عطاء: سألت عائشة رضي الله عنها: كيف يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إذا دخل رمضان؟ فقالت: كان ينام ويصلي ويأكل ويشرب، حتى إذا كان عشر البواقي شد إزاره، وشمر، فليس له هم إلا الصلاة والدعاء، وقيل في معنى قوله (وشد المئزر) أنه عبارة عن التشمير ويدل عليه أنه قيل في بعض الروايات (رفع المئزر) .
وقيل معناه: كف عن النساء.
ويدل عليه أنه قيل في بعض الروايات (شد المئزر واجتنب النساء) فلما كانت عادة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في عشر الأواخر اعتزل النساء، والجد والاجتهاد في العبادة، تحرى الاعتكاف فيها لوجهين: أحدهما أن الاعتكاف فيها أفضل منه فيما سواها.
كما أنه في شهر رمضان - في الجملة - أفضل منه في غيره، لأن أفضل أعشار الشهر العشر الأواخر.
كما أفضل الشهور شهر رمضان.
والوجه الآخر أن الإمامة في المسجد عون له على ما يريده من العبادة، فإن المسجد مبني للعبادة، فكما أن من أوى إلى بيته مالت نفسه إلى ما بنيت البيوت له من الجمام والراحة.
فكذلك إذا أوى إلى المسجد مالت نفسه ما بنيت المساجد له، وليس ذلك إلا الذكر والصلاة وقراءة القرآن وكان قلبه مع ذلك عن تذكر النساء وأمرهن غافلاً.
ويستحب لكل من أراد الاعتكاف أن يعتكف في شهر رمضان.
وإن كان يريد اعتكاف شيء من الشهر اعتكف العشر الأخير كما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، وإن يزداد في العشر الأواخر جداً واجتهاداً.
ثم في أوتارها خاصة إذا كانت ليلة القدر فيها.
فإن لم يكن الحظ فيها الدوام، وإنما للمستثمرين المجتهدين القوام، ولأن هذا الشهر يعظم غيره ويزكيه، وقوة الأمل فيه رحمة الله وبركاته، ويتحبب إلى أولياء الله، منهم مغتمون بذهابه كما يفرحون بمجيئه، وحكم كل من يغتم جواره ويكره فراقه أن يكون عام الولوع به ومعرفة حقه عند دنوها به أشد وأكثر.