قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ} الخطاب لجميع الأمة: مُحْصَر ومُخَلًّي. ومن العلماء من يراها للمحصَرين خاصّةً؛ أي لا تتحلّلوا من الإحرام حتى يُنْحَر الهَدْي. والمَحِلُّ: الموضع الذي يحلّ فيه ذبحه. فالمحِلّ فِي حصر العدوّ عند مالك والشافعي: موضع الحصر، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحُدَيْبِيَة؛ قال الله تعالى: {والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] قيل: محبوساً إذا كان محصَراً ممنوعاً من الوصول إلى البيت العَتِيق. وعند أبي حنيفة مَحِلّ الهَدْي فِي الإحصار: الحَرَم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق} [الحج: 33] . وأجيب عن هذا بأن المخاطَب به الآمنُ الذي يجد الوصول إلى البيت. فأمّا المُحْصَر فخارج من قول الله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق} بدليل نحر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه هَدْيَهم بالحديبية وليست من الحَرَم. واحتجوا من السُّنة بحديث"ناجية بن جُندب صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ابعث معي الهَدْيَ فانحره بالحرم. قال:"فكيف تصنع به"قال: أخرجه فِي الأوْدية لا يقدرون عليه، فانطلق به حتى أنحره فِي الحرم. وأجيب بأن هذا لا يصح، وإنما يُنحر حيث حلّ؛ اقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية"؛ وهو الصحيح الذي رواه الأئمة، ولأن الهَدْيَ تابع للمُهْدِي، والمهدِي حلّ بموضعه؛ فالمُهْدَى أيضاً يحل معه. انتهى انتهى {تفسير القرطبي حـ 2 صـ 379}