فصل
قال الفخر:
قال القوم: هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ} [البقرة: 191] والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما فِي الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدماً على المخصص أو متأخراً عنه فإنه يصير مخصوصاً به والله أعلم. انتهى انتهى {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 113}
قال ابن عاشور:
قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}
عطف على جملة {وقاتلوا فِي سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة المبيَّنة.
وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} [البقرة: 191] إلى هنا تفصيلاً لجملة {وقاتلوا فِي سبيل الله الذين يقاتلونكم} ؛ لأن عموم {الذين يقاتلونكم} تنشأ عنه احتمالات فِي الأحوال والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال البقاع وأفضت التوبة الآن إلى بيان تحديد الأحوال بغاية ألا تكون فتنة. فإذا انتهت الفتنة فتلك غاية القتال، أي إن خاسوا بالعهد وخفروا الذمة فِي المدة التي بينكم على ترك القتال فقد أصبحتم فِي حل من عهدهم فلكم أن تقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أخرى من بعد يفتنونكم بها وحتى يدخلوا فِي الإسلام، فهذا كله معلق بالشرط المتقدم فِي قوله: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] ، فإعادة فعل {وقاتلوهم} لتبنى عليه الغاية بقوله: {حتى لا تكون فتنة} وبتلك الغاية حصلت المغايرة بينه وبين {وقاتلوا فِي سبيل الله} وهي التي باعتبارها ساغ عطفه على مثله. ف (حتى) فِي قوله: {حتى لا تكون} إما أن تجعل للغاية مرادفة إلى، وإما أن تجعل بمعنى كي التعليلية وهما متلازمان؛ لأن القتال لما غيي بذلك تعين أن الغاية هي المقصد، ومتى كانت الغاية غير حسية نشأ عن (حتى) معنى التعليل، فإن العلة غاية اعتبارية كقوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم} [البقرة: 217] . وأيَّا ما كان فالمضارع منصوب بعد (حتى) بأن مضمرة للدلالة على ترتب الغاية. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 207}