[من روائع الأبحاث]
(بحث قيم لابن القيم فِي فرضية الجهاد)
قال - رحمه الله:
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع
أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس فِي القرآن سواء كما قال تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فِي سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} (التوبة: 41) وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فِي سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فِي جنات عدن ذلك الفوز العظيم}
(الصف: 10) وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال: {وأخرى تحبونها} (الصف: 12) أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها فِي الجهاد وهي {نصر من الله وفتح قريب} وأخبر سبحانه أنه {اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (التوبة: 110) وأعاضهم عليها الجنة وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوارة والإنجيل والقرآن ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم
فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجله فإن الله عز وجل هو المشتري والثمن جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم:
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل