[من روائع الأبحاث]
(باب في الجهاد)
قال الحَلِيمي:
قال الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ} .
وكانت للنبي - صلى الله عليه وسلّم - قبل فرض الجهاد منازل مع المشركين.
فأول ذلك أنه كان يوحى إليه فلا يؤمر في غير نفسه بشيء، ثم أمر بالتبليغ، فقيل له: {قُمْ فَأَنذِرْ} فأشفق ذلك، فنزل: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
فاعلم أن خوفه على نفسه إن بلغ أن لا يقع اسم الخلاف عنه إذا لم يبلغ ولا يزيل عنه حكمه، ثم بشر وراء ذلك بالعصمة من يخشاه من القتل.
فلما بلغ كذبوه واستهزأوا به، فأمر بالصبر، وقيل له: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} .
وأخبره عن الذين لم يؤمنوا به بأنهم لا يؤمنون، فقال: {قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} .
ثم أمر باعتزالهم فنزل: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} .
ونزل: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} .
يعني يخوضون في حديث غيره، {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
ثم أذن لمن أمر به في الهجرة دونه، فنزل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - جماعة بالهجرة إلى ديار الحبشة، وذلك قبل أن يسلم أهل المدينة فلما أسلموا أمر جماعة منهم بالهجرة إليها غير محرم على غيرها أن يقعدوا، ثم أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلّم - بالهجرة، فقال: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} .
قيل: أراد أخرجني مخرج صدق وأدخلني المدينة مدخل صدق.
فهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - غير محرم على من يخلف عنه أن يقيم بمكة، وإن كانت دار شرك.