[من روائع الأبحاث]
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل عن قوله تعالى (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(202)
فقال أي تمدح في سرعة الحساب وليس بظاهر وجه المدحة فيه؟
الجواب قلنا في ذلك وجوه ..
أولها: أن يكون المعني أنه سريع الحساب للعباد على أعمالهم وإن وقت الجزاء قريب وإن تأخر ويجري مجرى قوله تعالى (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وإنما جاز أن يعبر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب لأن ما يجازى به العبد هو كفؤ لفعله وبمقداره فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا ..
ومما يشهد بأن في الحساب معنى المكافأة قوله تعالى (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي عطاء كافيا ويقال أحسبنى الطعام يحسبني إحسابا إذا كفاني ..
قال الشاعر:
[[وإذ لا ترى في الناس حسنا يفوتها ... وفي الناس حسنا لو تأملت محسب] ]
معناه كاف ..
وثانيها: أن يكون المراد أنه - عزَّ وجلَّ - يحاسب الخلق جمعيا في أوقات يسيرة ويقال إن مقدار ذلك حلب شاة لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره بل يكلمهم جميعا ويحاسب كلهم على أعمالهم في وقت واحد وهذا أحد ما يدل على إنه تعالى ليس بجسم وأنه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة لأنه لو كان بهذه الصفات تعالى عنها لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة كما إن جميع ذلك واجب في المحدثين الذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات ..
وثالثها: ما ذكره بعضهم من إن المراد بالآية إنه سريع العلم بكل محسوب وأنه لما كانت عادة بني الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء في أكثر أمورهم أعلمهم الله تعالى إنه يعلم ما يحسبون بغير حساب وإنما سمى العلم حسابا لأن الحساب إنما يراد به العلم وهذا جواب ضعيف لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمى حسابا ولو سمى بذلك لما جاز أيضا أن يقال إنه سريع العلم بكذا لأن علمه بالأشياء مما لا يتجدد فيوصف بالسرعة ..