قال - رحمه الله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)
بَعْدَ مَا بَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ وَالْإِصْلَاحِ وَالْإِفْسَادِ أَرَادَ أَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى مَا يَجْمَعُ الْبَشَرَ كَافَّةً عَلَى الصَّلَاحِ وَالسَّلَامِ، وَالْوِفَاقِ الَّذِي قَرَّرَهُ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْهِدَايَةَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَشَرَّفَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ فَقَالَ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) إِلَخْ. السِّلْمُ الْمُسَالَمَةُ وَالِانْقِيَادُ وَالتَّسْلِيمُ، فَيُطْلَقُ عَلَى الصُّلْحِ وَالسَّلَامِ، وَعَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ (السَّلْمِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِالصُّلْحِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ (الْجَلَالُ) ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ (كَافَّةً) حَالٌ مِنَ السِّلْمِ; أَيْ: فِي جَمِيعِ شَرَائِعِهِ. وَأَقُولُ: إِنَّ أَسَاسَهَا الِاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ اللهِ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، وَمِنْ أُصُولِهَا الْوِفَاقُ وَالْمُسَالَمَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَرْكُ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْمُهْتَدِينَ بِهِ. وَاللَّفْظُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَعَانِيهِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْمَقَامُ، وَالْأَمْرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حِصْنٌ مَنِيعٌ لِلدَّاخِلِينَ فِي كَنَفِهِ، وَهُوَ لِلْكَامِلِينَ مِنْهُمْ أَمْرٌ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ) (33: 1) وَلِمَنْ دُونَهُمْ أَمْرٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ وَتَحَرِّي الْكَمَالِ فِيهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخِطَابَ فِيهِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ كُلِّ