ولم يحفَظْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرَّجه مسلم، وأبو داود، وروي عَنْه صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحَدَّ، وجعله كَأخفِّ الحدود ثَمَانِينَ؛ وبه قال مالك.
ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر؛ بإِجماع. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 293}
قال القرطبي:
رَوى النَّسائيّ عن عثمان رضي الله عنه قال: اجتنبوا الخمر فإنها أُمُّ الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تَعبَّد فعِلقته امرأة غَويّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة؛ فانطلق مع جاريتها فطفِقت كلّما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وَضِيئة عندها غلام وبَاطِيَةُ خمر؛ فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأساً، أو تقتل هذا الغلام.
قال: فاسقيني من هذه الخمر كأساً؛ فسقته كأساً. قال: زيدوني؛ فلم يَرِم حتى وقع عليها، وقتل النفس؛ فاجتنبوا الخمر، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر؛ إلاَّ ليوشك أن يُخرج أحدُهما صاحبه؛ وذكره أبو عمر فِي الاستيعاب. ورُوي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليُسلم فلقيَه بعض المشركين فِي الطريق فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصَّلاة؛ فقال: إنّ خدمة الربّ واجبة. فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال: اصطناع المعروف واجب. فقيل له: إنه ينهى عن الزنى. فقال: هو فحش وقبيح فِي العقل، وقد صرت شيخاً فلا أحتاج إليه. فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر. فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع، وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه؛ فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. وكان قيس بن عاصم المِنْقريّ شَرَّاباً لها فِي الجاهلية ثم حرّمها على نفسه؛ وكان سبب ذلك أنه غمز عُكْنَة ابنته وهو سكران، وسبّ أبويه، ورأى القمر فتكلم بشيء، وأعطى الخمّار كثيراً من ماله؛ فلما أفاق أخبر بذلك فحرّمها على نفسه؛ وفيها يقول: