وقال الشيخ/ محمد علي الصابوني:
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...(213)
المَناسَبَة: ذكر سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: فريق يسعى في الأرض
فساداً ويُضل الناس بخلابة لسانه وقوة بيانه، وفريق باع نفسه للحق يبتغي به رضي الله ولا يرجو أحداً سواه، ولما كان لا بدّ من التنازع بين الخير والشر - ولا بدَّ للحق من سيفٍ مصلتٍ إلى جانبه - لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السيف مناضلين وشرع الجهاد دفعاً للعدوان وردعاً للظلم والطغيان.
اللغة: {بَغْياً} البغيُ: العدوان والطغيان. {وَزُلْزِلُواْ} مأخوذ من زلزلة الأرض وهو اضطرابها والزلزلة: التحريك الشديد. {كُرْهٌ} مكروهٌ تكرهه نفوسكم قال ابن قتيبة: الكرهُ بالضم المشقة وبالفتح الإكراه والقهر. {صَدٌّ} الصدُّ: المنع يقال: صدّه عن الشيء أي منعه عنه. {يَرْتَدِد} يرجع والردةُ الرجوع من الإِيمان إلى الكفر قال الراغب: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء به منه لكن الردَّة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره قال تعالى: {فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً} [الكهف: 64] {حَبِطَتْ} بطلت وذهبت قال في اللسان: حبط عمل عملاً ثم أفسده وفي التنزيل {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9] أي أبطل ثوابهم {يَرْجُونَ} الرجاء: الأمل والطمع في حصول ما فيه نفعٌ ومصلحة.
سبب النّزول: بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عبد الله بن جحش على سرية ليترصدوا عيرا لقريش فيها «عمرو بن الحضرمي» وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير بما فيها من تجارة، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم وعظم ذلك على المسلمين فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ ... .} الآية.