وفي هذه الآية وهي قوله: {ومن الناس من يعجبك قوله فِي الحياة الدنيا} {البقرة: 204] إلى قوله رؤوف بالعباد} معان من معاني أدب النفوس ومراتبها وأخلاقها تعلِّم المؤمنين واجب التوسم فِي الحقائق ودواخل الأمور وعدم الاغترار بالظواهر إلاّ بعد التجربة والامتحان، فإن من الناس من يغُر بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة تعبير وهو يضمر الشر والكيد قال المعري
: ... وقد يُخْلِفُ الإنسانُ ظَنَّ عَشِيرةٍ
وإن رَاقَ منه مَنْظَرٌ ورُوَاء ... وقد شمل هذا الحالَ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن من البيان لسحرا"بأحد معنييه المحتوي عليهما وهو من جوامع الكَلِم وتبلغ هلهلة دينه إلى حد أن يُشهد الله على أن ما يقوله صدق وهو بعكس ذلك يبيت فِي نفسه الخصام والكراهية.
وعلامة الباطن تكون فِي تصرفات المرء فالذي يحب الفساد ويهلك الحرث والنسل ولا يكون صاحب ضمير طيب، وأن الذي لا يصغي إلى دعوة الحق إذا دعوته إليه ويظهر عليه الاعتزاز بالظلم لا يرعوي عن غيه ولا يترك أخلاقه الذميمة، والذي لا يشح بنفسه فِي نصرة الحق ينبئ خلقه عن إيثار الحق والخير على الباطل والفساد ومن لا يرأف فالله لا يرأف به. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 274}