[من روائع المناظرات]
مناظرة لطيفة
قال القاضي أبو بكر ابن العربي:"حضرتُ فِي بيت المقدس طهّره الله بمدرسة (أبي عقبة) الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس فِي يوم الجمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهيّ المنظر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء وتصدّر فِي صدر المجلس، فقال له الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبة الشُطّار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجلٌ من صاغان من طلبة العلم، فقال القاضي مبادراً: سلوه - على العادة فِي إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة"الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل فيه أم لا؟"فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} وقرئ: (ولا تقتلوهم) وقرئ (ولا تقاتلوهم) فإن قرئ: ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا أُنهي عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيناً ظاهراً على النهي عن القتل."
فاعترض عليه القاضي الزنجاني منتصراً للشافعي ومالك - وإن لم ير مذهبهما على العادة - فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
{فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ (عامة) فِي الأماكن، والآي التي احتججتُ بها (خاصة) ، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص، فأبْهَتَ القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام"."
قال ابن العربي:"فثبت النهي عن القتال فيها قرآناً وسنة، فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه، وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها فيُقْتل بنصّ القرآن".
الحكم الرابع: ما المراد بالعدون فِي الآية الكريمة؟
حرّم الباري جل وعلا الاعتداء فِي قوله: {وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين} .
1 -ويدخل فِي ذلك ارتكاب المناهي - كما قاله الحسن البصري - من المُثْلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا قدرة لهم على القتال، ويدخل فيها قتل الرهبان، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة. فكل هذا داخل فِي النهي {وَلاَ تعتدوا} .
ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اغزوا بسم الله، فِي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع".
وفي"الصحيحين"عن ابن عمر أنه قال:"وُجدت امرأةٌ فِي بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولةً فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان".
ب - وقيل المراد بقوله {وَلاَ تعتدوا} النهيُ عن البدء بالقتال، وهو مروي عن مقاتل.
ج - وقيل المراد به النهي عن قتال من لم يقاتل، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية.