[من روائع الأبحاث]
(الدنيا والآخرة)
للشيخ/ محمد رشيد رضا
(فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ *
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ).
ذهب قوم إلى أن الإنسان في هذه الدنيا حيوان كسائر الحيوانات، وأنَّ زعم
بعض أفراده أنه مَلك أرضي وأنه أفضل المخلوقات ما جاء إلا من العجب
والغرور , وأن كماله إنما هو في التمتع باللذات الجسدية بقدر ما يستطيع , ولا
يحرم نفسه منها إلا لجهله وغروره , بل تطرف بعض أهل هذا المذهب الحيواني
فقالوا: إن الإنسان أخس من غيره من الحيوانات , وأنقص في فطرته من كثير من
الحشرات لأنها خلقت مستقلة في شئون معيشتها وخلق هو جاهلاً فاحتاج لتقليدها
والأخذ عنها , ولولا استعداده للتقليد لما أمكن أن يعيش ويثبت , والمقلد لا يكون إلا
أنقص من مقلَّده. قالوا: لا يوجد حيوان يقلد الإنسان فيستفيد بتقليده ما يقوم به أوده
ويحفظ حياته , والإنسان قد قلد كثيرًا من الحيوانات والحشرات , فإنه تعلم النسج
من العنكبوت , والهندسة من النحل , وبناء البيوت من النمل الأبيض , وتعلم قابيل
ابن آدم من الغراب كيف يواري سوءة أخيه.
وذهب قوم إلى أن الإنسان مَلك روحاني، ولكنه لبس هذا الجسد الحيواني
ليختبر الحالة الحيوانية ويعرف حقيقة العوالم الجسدية فنسي أفراده عالمهم الأصلي،
وشغلهم هذا الثوب العارض عن حقيقتهم، فيجب عليهم أن يجتهدوا في التخلص من
عوائقه والفرار من دواعيه بحسب طاقتهم، وأن يخدموا الروح ويقووا سلطانه حتى
يقطعوا هذه المرحلة الجسدية ويصلوا إلى عالمهم الروحاني (الآخرة) غير منهوكي
القوى، وهناك يكونون أرواحًا تسبح مع الملائكة المقربين في عالم الملكوت الأعلى
حيث لا لذات جسدية كالأكل والشرب وملامسة النساء، أي أن عالم الوجود يخلو من
هذا النوع الذي نسميه (الإنسان) وتنعدم منه اللذات المادية التي سموها بزعمهم