وقال ابن عاشور:
اتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف وضعه فِي الكعبة فِي مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء يحضرون الموسم وقال: من بدا له أن يجادل فِي شيء فليفعل، فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه قائلاً: بماذا فسرت قوله تعالى: {ولا جدال فِي الحج} وأنه وجم لها، وأنا أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته، لأنه رآه لا يفرق بين الجدال الممنوع فِي الحج وبين الجدال فِي العلم.
واتفقوا على أن المجادلة فِي إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما فِي أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع فِي بيان ذلك إلى أدلة أخرى. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 235}
قوله تعالى {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}
المناسبة
قال البقاعي:
ولما كانت هذه المنفيات شراً وكان التقدير: فما فعلتم من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه: {وما} وقال الحرالي: ولما حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع فِي محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال: وما {تفعلوا} انتهى. أي يوجد لكم فعله فِي وقت من الأوقات {من خير} فِي الحج أو غيره بتوكل فِي تجرد أو تزود فِي تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث، والبر والتقوى مكان الفسق، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال {يعلمه الله} الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 375}