21 -ويأخذ المتنطع الفارغ العقل على قوله جلّ من قائل في الآية 196 من"البقرة"عمّن تمتّع بالعمرة إلى الحج ولم يتيسر له شراء هَدْى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} أن كلمة"كاملة"لا لزوم لها لأنها توضح ما لا يحتاج إلى توضيح، وإلا فمن ذا الذي يظن العشرة تسعة؟ (ص 11) . وهذا تنطع بلغ الغاية في السُّخْف والتفاهة. إن المتنطع التافه لا يعجبه العجب: فإذا رأى حذفاً قال: لماذا كان هناك حذف؟ وإذا رأى توكيداً قال: لا داعي ... وهكذا. وأذكر أني كنت قبل نحو عشرين سنة أسمع أغنية نجاة الصغيرة التي تسأل فيها فتاٌة حبيبها عما جعله يتنبه إلى جبّها له: أهو قلبه أحسَّ بها فجاوبها حباً بحب؟ أم كثرة الشوق الذي أطلّ من عينيها؟ أم ... ؟ أم ... ؟ أم الحنان الذي كان في"سلام يدها اليمين"؟ فتساءلتُ ضاحكاً: وهل هناك"سلام"بغير اليد اليمنى حتى تحتاج الفتاة إلى تأكيد ذلك؟ ثم عدتُ أنظر في العبارة من جديد فوجدتُ الحسن كله في هذا التحديد الذي قد يبدو للعجلين إنه زيادة لا ضرورة لها، لأن هذه الكلمة قد حوَّلت"السلام"من معنًى مجردٍ إلى واقعةٍ حية يبصرها الذهن ويرى فيها اليد مشتبكة باليد تصافحها وتبثها الحنان.
وكذلك الحال هنا، فقد تحولت العبارة بكلمة"كاملة"كم مسألة حسابية مجردة إلى واقعة حية. ولا تنس أن العرب في الجاهلية لم يكونوا من علوم الحساب في شيء، فكان لابد من التأكيد ليعرفوا أن رقم العشرة هنا رقم كامل لا عدد تقريبي، وهذا كقول النابغة الذبياني مثلاً:
قالت ألا لَيْتَمَا هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فَقَدِ
فحسَّبوه فألْفَوْه كما حَسَبَتْ ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولَم تزِد
وقوله أيضاً:
أسائل عن سُعْدَى وقد مرَ بعدنا ... على عرصات الدار سبعً كواملُ