[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا تعلّق الملحدة والقدريّة بقوله تعالى: {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] ، وقوله: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} [النور: 19] الآية، فإنّه لا تعلّق لهم أيضا فيه، لأنّه أراد بالآيتين المتقدمتين أنّه لا يحبّ الفساد لأهل الصّلاح ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولم يرد أنّه لا يرضاه لأحد من خلقه ولا يحبّه من أحد منهم، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يقول: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] ، ويقول: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: 125] ، ويقول: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] ، فدلت هذه الأخبار على أنّه لم يرض لعباده المؤمنين الكفر، ولا يحبّ منهم الفساد، وإن كان قد أحبّ ذلك ورضيه لأهل الكفر والفساد، ومن نحو هذا قوله: {عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ، وقوله: {يا عِبادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] ، وقوله: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] ، وكل هذا على الخصوص دون العموم، وكذلك حكم الآيتين.
ويمكن أيضا أن يكون إنّما أراد والله لا يحب الفساد أن يكون صلاحا ودينا مشروعا، ولا يرضى لعباده الكفر أن يكون دينا لهم وشرعا مأذونا فيه، وأنّه رضي أن يكون قبيحا مذموما فسقط بذلك ما قالوه.
ويحتمل أيضا أن يكون أراد بالرضا والمحبّة الاجتباء والتفضيل والاصطفاء، فقال: {لا يحبّ الفساد} ، ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يصطفيهما ويفضلهما، لأنّ المحبّة والرضى عند كثير من الناس اصطفاء وتفضيل، وذلك منفي عن الكفر والفساد ولأنّ الله سبحانه قد حقّرهما وذمّهما، وقال أصحاب هذا الجواب: وإطلاق المحبّة والرضى يوهم الأمر بهما ويدين العباد بفعلهما، وذلك باطل.