[من روائع الأبحاث]
بحث نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بهذا الموضوع
قال - رحمه الله:
فإن قيل فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة وشدة خوف النبي مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله؟
قيل عن هذا أربعة أجوبة:
الجواب الأول أن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره ونظير هذا فِي المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعد عنه بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه وأنه يطالب من حقوق الخدمة وأدائها بما لا يطالب به غيره فهو أحق بالخوف من البعيد ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفهم قوله فِي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي أنه قال إن الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم وليس المراد به لو عذبهم لتصرف فِي ملكه والمتصرف فِي ملكه غير ظالم كما يظنه كثير من الناس فإن هذا يتضمن مدحا والحديث إنما سيق للمدح بغير استحقاق فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا ولهذا قال بعده ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم يعني أن رحمته لهم ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقبل باقتضاء الرحمة وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه ولا سيما فإن أعمالهم لا توازي القليل من نعمه عليهم فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالما لهم
فإن قيل فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له مقدورا لهم فكيف يحسن العذاب عليه قيل الجواب من وجهين