غَيْرِهِمْ (قُلْنَا) : إِنَّ الَّذِينَ لَمَّ يُبِيحُوا الْعَمَلَ بِالْحِسَابِ قَدْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ لَا يُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجْرٍ آنِفًا ، وَالْحِسَابُ الْمَعْرُوفُ فِي عَصْرِنَا هَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَيُمْكِنُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأُمَرَائِهِمُ الَّذِينَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنْ يُصْدِرُوا حُكْمًا بِالْعَمَلِ بِهِ فَيَصِيرُ حُجَّةً عَلَى الْجُمْهُورِ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحُكْمِ بِإِثْبَاتِ الشَّهْرِ بِإِكْمَالِ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ وَالسَّمَاءُ صَحْوٌ لَيْسَ فِيهَا قَتَرٌ وَلَا سَحَابٌ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ ; فَإِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَكَذَا الْحُكْمُ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ لِلْهِلَالِ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ ظَنِّيَّةٌ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لِكَثْرَةِ مَا يَعْرِضُ فِيهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالْوَهْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِالْقَطْعِ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعُدُولِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَاسِفَةً) .
(4) يُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إِذَا غُمَّ عَلَى النَّاسِ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ ، وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ - أَيِ السُّلْطَانُ وَلِيُّ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ - فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ لَهُ .