(من روائع الأدب العربي)
"فصل فِي الغِيبَة"
قال ابن عبد ربه:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قلتَ فِي الرجل ما فيه فقد اغتَبْته، وإذا قلتَ ما ليس فيه فقد بهَته: ومرَّ محمدُ سِيرين بقوم، فقال إليه رجل منهم فقال: أبا بكر، إنّا قد نِلْنا منك فحَلِّلنا؟ فقال:"إني"، لا أحِلّ لك ما حَرّم اللهّ عليك،"فأمّا ما كان إليَّ فهو لك". وكان رَقَبة بن مَصْقلة جالساً مع أصحابه فذَكَروا رجلاً بشيء، فاطْلعَ ذلك الرجلُ، فقال"له"بعضُ أصحابه: أَلا أخْبره بما قًلنا فيه لئلا تكون غِيبة؟ قال: أخبره حتى تكون نميمة.
اغتاب رجلٌ رجلاً عند قُتيبة بن مُسلم، فقال له"قُتَيبة": أمْسك عليك أيها الرجل، فواللّه لقد تلَمَّظت بمُضْغة طالما لَفَظها الكِرام.
محمد بن مُسلم الطائفيّ قال: جاء رجلٌ إلى ابن سِيرين، فقال له: بَلغني أنك نِلْتَ منّي، قال: نفسي أعزًّ"علي"، من ذلك.
وقال رجل لبَكْر بن محمد بن عِصْمة: بلَغني أنَّك تقع فيّ؟ قال: أنتَ إذًا عليَّ أكرمِ من نفسي.
وَوقع رجلٌ فِي طَلْحَة والزُبير عند سَعد بن أبي وَقّاص، فقال له: اسكُتْ، فإن الذي بيننا لم يَبْلُغ دينَنا.
وعاب رجلٌ رجلاً عند بعض الأشراف، فقال له: قد استدللتُ على كَثرة عُيوبك بما تكثر من عُيوب الناس، لأن طالبَ العُيوب إِنما يَطْلبها بقَدر ما فيه منها، أما سمعتَ قولَ الشاعر:
لا تَهْتِكَنْ من مَساوي الناس ما سترُوا ... فَيَهْتِكَ الله سِتْراً مِن مَساوِيكَا
واذكُرْ محَاسِنَ ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تَعِبْ أحداً منهم بما فِيكا
وقال آخر:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثْلَه ... عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عَظيمُ
وابْدَأْ بنفسك فانهَها عنَ غَيِّها ... فإِذا انتهت عنه فأنتَ حَكيمِ