[من روائع الأبحاث]
كلام نفيس للعلامة ابن القيم فِي الآية الكريمة
قال - رحمه الله:
فَائِدَة جليلة قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمُونَ} وَقَوله عزّ وجلّ {وَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كثيرا}
فالآية الأولى فِي الْجِهَاد الَّذِي هُوَ كَمَال الْقُوَّة الغضبية وَالثَّانية فِي النِّكَاح الَّذِي هُوَ كَمَال الْقُوَّة الشهوانية فَالْعَبْد يكره مُوَاجهَة عدوه بقوته الغضبية خشيَة على نَفسه مِنْهُ وَهَذَا الْمَكْرُوه خير لَهُ فِي معاشه ومعاده وَيُحب الْمُوَادَعَة والمتاركة وَهَذَا المحبوب شَرّ لَهُ فِي معاشه ومعاده وَكَذَلِكَ يكره الْمَرْأَة لوصف من أوصافها وَله فِي إِمْسَاكهَا خير كثير لَا يعرفهُ وَيُحب الْمَرْأَة لوصف من أصافها وَله فِي إِمْسَاكهَا شَرّ كثير لَا يعرفهُ لإنسان كَمَا وَصفه وَصفه بِهِ خالقه ظلوم جهول فَلَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل المعيار على مَا يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذَلِك مَا اخْتَارَهُ الله لَهُ بأَمْره وَنَهْيه فأنفع الْأَشْيَاء لَهُ على الْإِطْلَاق طَاعَة ربه بِظَاهِرِهِ وباطنه وأضر الْأَشْيَاء عَلَيْهِ على الْإِطْلَاق مَعْصِيَته بِظَاهِرِهِ وباطنه فَإِذا قَامَ بِطَاعَتِهِ وعبوديته مخلصا لَهُ فَكل مَا يجْرِي عَلَيْهِ مِمَّا يكرههُ يكون خيرا لَهُ وَذَا تخلى عَن طَاعَته وعبوديته فَكل مَا هُوَ فِيهِ من مَحْبُوب هُوَ شَرّ لَهُ فَمن صحت لَهُ معرفَة ربه وَالْفِقْه فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته علم يَقِينا أَن المكروهات الَّتِي تصيبه والمحن التي تنزل بِهِ فِيهَا ضروب من الْمصَالح وَالْمَنَافِع لتي لَا يحصيها علمه وَلَا فكرته بل مصلحَة العَبْد فِيمَا يكره أعظم مِنْهَا فِيمَا يحب